呼图白 > 详细内容


作者:一卅柯·韩文成

朝觐的奥秘和智慧

伊历1438年11月26 / 公历2017年8月18日阿汉双语主麻演讲

 

感赞安拉乎规定仆民朝觐天房亲临获益,并在特定之日颂念主的尊名祭献所赐牲畜;我作证惟有安拉乎是应受崇拜的主,独一无二的主,饶恕杜绝下流卑鄙言行的朝觐者罪过的主;我作证先知穆罕默德是主的仆人和使者,是千使万圣之精华,愿主永赐福安于他和圣裔及全体圣伴们!

安拉乎的仆民啊!

我先劝告自己和你们要敬畏主,敬畏主是消除烦恼、饶恕罪过、扩展生计、进入天堂的最佳手段,至尊主说:“敬畏安拉乎的人,安拉乎必为其开辟一条出路,从意想不到的地方供给他。”(65:2-3)

各位信士:

至尊无比、慷慨无求的主所赐之善功季节连续不断,人们全心全意奔赴主的大朝之日已经来临,朝觐是信士终生一次的崇拜功修,主为此降下启示:“今天,我已为你们成全你们的宗教,我已完成我所赐你们的恩典,我已选中伊斯兰作为你们的宗教。”(5:3)

先知(主福安之)也说:“朝觐天房而杜绝下流卑鄙言行的人,返家时如同刚出生的婴儿一般纯洁无罪。”(艾卜胡莱赖传述《布哈里圣训录》1521、《穆斯林圣训录》1350)

当来自世界各地的朝觐者们,本着完成伊斯兰功修和摧毁举伴偶像之目的,为了心中期许的愿望而忍受千辛万苦,经过翻山越岭、飞天跨海的长途跋涉,最后临近天房时,所有的目光和心思全都聚焦于主的禁殿,人们所祈望的就是能够被赦免罪过。

在履行这项神圣的信仰大典时,朝觐者不仅要遵守外在的典礼仪式,而且要注重其内在的奥秘和智慧,因为心路比身路更容易接近主。有多少人身体到了天房跟前,而心与天房之主相距甚远!

身在禁寺天房游       灵魂远在家乡留

人们经过下大决心,不辞辛苦、远离家园、冒着酷暑,随朝觐人群奔向天房响应召唤,是表达对圣城的尊崇之情和演习启程归赴后世之意。朝觐者脱去缝制的衣服、不修边幅、不擦香水,预示人死后以布裹尸的情景,并表示谦逊戒骄之意。所有的人都只围两片戒衣,如同晋见主的天房时着装与平时不同,人死后也会以不同于平常的穿戴去见主:“天地间的一切,无不以奴仆的身份来见至仁主,他已对他们进行了精确的统计,在复生日,他们每一个都要单独来见主。”(19:93-95)

心灵的歌颂者唱道:

看那称雄霸世者        裹尸布外得什么

各位穆斯林:

朝觐功课大致如下:

1)在朝觐月(教历10、11、12月)从戒关受戒开始,举意连朝或享受朝或单朝,并脱去缝制(全身或部分量体裁剪缝制)的衣服,只围两片戒衣:一片裹住头部以外的上半身,另一片裹住下半身。戒衣以白色为佳,因为主最喜欢白衣。朝觐者身穿戒衣,意在表示他已脱去虚幻的世俗衣饰,既向主表示谦卑,又提醒自己死后将在墓中所穿的殓衣。圣伴伊本·安巴斯(主喜悦之)传述:“主的使者梳完头、抹上香、穿好戒衣后,与圣伴们一道从麦地那出发前往麦开。”(《布哈里圣训录》1545)

2)到天房跟前仿效先知环游七遍,从黑石开始到黑石结束。朝觐者应提前向宣教师和向导学习有关环游天房的教律常识,以便准确无误地履行各项仪式。环游结束后,在先知伊卜拉罕立足处后面礼两拜圣行拜,至尊主说:“你们当以伊布拉罕立足处为礼拜之地。”(2:125)如果人多拥挤不方便,则在禁寺内任何一个地方礼两拜。

3)环游完毕后到赛法与麦勒沃之间奔走,以纪念先知伊斯玛仪利的母亲哈吉尔为觅水而来回奔走之事迹。昔日她顺从了主的旨意,主便提高了她的身份和地位,解除了她的困境,使其母子俩获得了幸福。圣伴伊本·安巴斯(主喜悦之)转述先知的话说:“先知伊卜拉罕带着妻子哈吉尔和吃奶的孩子伊斯玛仪利(主赐福安于他们)来到了麦开,将母子俩安置在了天房附近赞母赞母泉上面的一棵大树下。那个时候,麦开荒无人烟,也没有水源,先知伊卜拉罕给哈吉尔留下了一袋枣和一袋水之后就要离去。哈吉尔追着他问道:‘伊卜拉罕啊!你把我们扔在这荒无人烟的山谷里后要去哪里呀?’她连问多次,伊卜拉罕不忍回头看她,她问:‘是主命令你这样做的吗?’伊卜拉罕回答说:‘是的。’哈吉尔便说:‘那么,主不会抛弃我们不管。’”(《布哈里圣训录》3364)

主没有抛弃她们!主为她们母子俩开通了赞母赞母甘泉,给她们降赐了福恩,人们陆续从四面八方向他们聚来,由此实现了圣祖伊卜拉罕的祈祷:“我们的主啊!我把我的一部分后裔安顿在了您的禁殿附近不长庄稼的山谷里,以便他们谨守礼拜;主啊!求您使人们心向他们,求您赐给他们一些果实,以便他们感恩。”(14:37)

感赞主!赞母赞母泉水至今一直流淌不断,这是主赐给先知伊斯玛仪利母子的特别福分,也是他俩的美好遗迹之一。圣训中记载道:“主的使者喝了赞母赞母泉水后说:‘此为饮食佳品。’”(《穆斯林圣训录》2473)

安拉乎的仆民啊!

4)朝觐的最重要部分是驻留阿拉法,先知(主福安之)说:“朝觐就是驻留阿拉法。”(《艾哈迈德圣训录》18799等)

还说:“没有哪一天比得了阿拉法日,主在此日赦免火狱囚犯的人数最多。主近距离向众天使显示大能说:‘这些人还有什么要求?’”(阿伊莎传述《穆斯林圣训录》1348)

伊本·甘义目(主慈悯之)在描述阿拉法日的情景时说:

多么伟大的站立             就像复生日受审

至尊主近前炫耀             向天使们显大能

我的仆民爱我来             我对他们最慷慨

你们见证我恕罪             赏他们实现心愿

这确实是一次伟大的站立,是一场操着不同语言的人们聚在一处,以最美的形式和最好的内容展现认主独一、显示穆斯林团结精神的大聚会:他们拥有同一个朝向、同一部天经、同一位先知,以同样的着装,在同一个地方,向同一个主祈祷,阿拉伯人不比非阿拉伯人优越,白种人不比黑种人高贵,有钱人不比贫苦人强,国王与百姓、富人与穷人、贵族与贱民一律平等,在这里没有人会夸耀门第和吹嘘血统,真正实践了主的教诲:“你们这个群体是同一个共同体,我是你们的主,你们要崇拜我。”(21:92)

愿主以神圣的《古兰经》赐福我和你们,使我们大家受益于天经启示的教诲。

我讲这些,祈望伟大的主饶恕我和你们以及所有的穆斯林,大家向主忏悔吧!主是至恕至慈的。

 

 

第二部分

 

 

感赞安拉乎——创造并前定一切的主,为愿感悟和感恩者使昼夜循环不息的主,赞美主无限美好、至尊无比、至高无上;我作证惟有安拉乎是应受崇拜的主,独一无二的主,全然超绝不义者一切妄言的主!我作证先知穆罕默德是主的仆人和使者,愿主永赐无量福安于他和圣裔及全体圣伴们!

安拉乎的仆民啊!

你们要敬畏并顺从主,视主的命令重于一切,感恩主而不要违抗主。朝觐者受戒时遵守戒规,克己不做一些平时可为之举,如穿缝制的衣服、擦香水、剪指甲、理发、性交、捕猎、争论无益之事等,都是服从命令遵守法规的表现,至尊主说:朝觐的月份众所周知,凡在此期间履行朝觐义务的人,在朝觐时不得有下流、作恶和争吵行为。”(2:197)

5)朝觐者以投石向主表达崇拜之情,表示心甘情愿、毫无保留地执行独一万能的主的命令,同时显示人离不开主,无论站着坐着都在记念恩主,先知(主福安之)说:“规定环游天房、在赛法与麦勒沃之间奔走、投石,是为了树立记念安拉乎。”(阿伊莎传述《艾卜达伍德圣训录》1888、《提尔米济圣训录》902)

6)剪发开戒,意在向造物主表示谦恭。此时,功课圆满的朝觐者已获得哈吉的殊荣。

7)宰牲,是向主表示恭顺的主要形式,是朝觐的最重要时刻,先知(主福安之)说:“朝觐的最重要部分是:喧嚷和放血。”(艾卜拜克尔、伊本欧麦尔传述《提尔米济圣训录》827、《伊本玛杰圣训录》2896)喧嚷:指高声念应召词;放血:指宰牲。

在宰牲日和晒肉日里,连朝和享受朝的人为了向主表示亲近和感恩而献的牺牲,意在纪念先知伊卜拉罕因梦中奉命以子献祭而执行主的命令的事迹,先知们的梦属于真实的启示,最后仁慈的主以伟大的牺牲救赎了先知伊斯马仪利。至尊主说:“我使祭驼成为你们向主献祭的仪式之一,你们可从中获得福利。你们要对排队待宰的它们诵念主的尊名,在它们侧倒于地后你们就可以食之,并款待知足者和乞讨者。我如此使它们驯服于你们,以便你们感恩。安拉乎不会接纳它们的肉和血,但会接受你们的敬意。”(22:36-37)

各位穆斯林:

朝觐有多重意义,它可以说是全球穆斯林每年一次的大聚会,来自世界各地的人们相聚一处,统一在认主独一的大旗下,一起履行正教仪式,相互了解伊斯兰人民所面临的问题,大家互助合作共同面对各种困难和挑战。只要人们援助主的正教,主就会援助他们,至尊主说:“援助信士是我的责任。”(30:47)

安拉乎的仆民啊!

朝觐者在完成了所有的仪式功课,并亲临获益后,其在口上和心里对主的赞念,已超过对父母和同伴们的记念,至尊主说:“当你们完成典礼后,你们要赞念安拉乎,就像纪念自己的祖先一样,甚至更多。”(2:200)

如果朝觐者属于为主朝觐而杜绝下流卑鄙言行之人,那么在返回家时,他的过失已被宽恕、缺点已被掩盖、罪行已被赦免、善行已被加倍回赐。凡弃恶从善、变逆为顺、痛改前非的人,其行为就是朝功已被主接受的明显标志,也是其诚心已达到目的最好表现,至尊主说:“安拉乎只接受敬畏者的贡献。”(5:27)

愿主慈悯大家!现在让我们遵照主的命令,祝福人类的楷模和正道领袖——先知穆罕默德,至尊主说:“安拉乎和他的天使们在祝福先知,信士们啊!你们应当为他祈福,应当向他祝安。”(33:56)

先知(主福安之)也说:“谁祝福我一次,安拉乎必祝福他十次。”(《穆斯林圣训录》408)

主啊!求您永赐福安于您的仆人先知穆罕默德和圣裔、全体圣伴、贤二代及其从善如流的后继者们!主啊!我们祈求您的慈悯引导我们的心灵并成全我们的事情。主啊!求您赐给我们朝觐天房的机会;主啊!求您改善全球穆斯林的状况,使他们汇聚到真理周围。最最仁慈的主啊!求您饶恕所有的男女信士和穆斯林,宽恕他们中的活人和亡人,您是至听至近、有求必应的主。

至强至坚的主啊!求您壮大伊斯兰和穆斯林,羞辱举伴行为和举伴主的人们,消灭与您和正教为敌的人。主啊!求您让我们远离各种灾难,求您给穆斯林的心降赐宁静和慈悯,主啊!求您团结穆斯林的心,替他们抵御伤害,求您给我们降赐及时雨,不要让我们成为绝望的人。主啊!求您接受我们的忏悔、洗涤我们的罪孽、应答我们的祈祷、纠正我们的口舌。主啊!求您改善我们的护身信仰,改善我们的今世生活,改善我们的后世归宿,使我们生只为增加一切善功,死只为脱离一切罪恶。

主啊!求您援助我们,使我们免遭恶人的毒手;求您使我们对今世容易满足,为我们简化一切繁难之事;求您解除我们的一切困难,消除我们的一切烦恼;主啊!求您使穆斯林团结一致、万众一心。

主啊!求您改善我们的领导者们,使他们从事您喜欢的事业,迫使他们敬主从善,求您使我们的家园和所有穆斯林国家国泰民安;主啊!求您接受正朝和副朝者们的功课,求您喜悦我们和他们以及所有的穆斯林,求您使他们平安凯旋。我们的主啊!求您赐予我们今世幸福和后世幸福,使我们免遭火狱之灾。

最后感赞万世之主安拉乎!   

الْحَـجُّ أَسْــرَارٌ وَحِكَــمٌ

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ بِتَارِيخِ 26 مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ 1438هـ الْمُوَافِقِ 18 / 8 / 2017م

 الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَرَضَ عَلَى عِبَادِهِ حَجَّ بَيْتِهِ الْحَرَامِ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ غَفَرَ لِمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ جَمِيعَ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَةُ رُسُلِهِ الْكِرَامِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ إِلَى يَوْمِ الْعَرْضِ عَلَى ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.

  أَمَّا بَعْدُ:

  فَأُوصِيكُمْ - عِبَادَ اللهِ - وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ؛ فَإِنَّهَا سَبَبُ تَفْرِيجِ الْكُرُوبِ وَغُفْرَانِ الذُّنُوبِ، وَبَسْطِ الْأَرْزَاقِ وَدُخُولِ جَنَّةِ الْكَرِيمِ الرَّزَّاقِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: " وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ" (الطَّلَاقِ:2-3).

  أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:

  لَا تَزَالُ مَوَاسِمُ الْخَيْرَاتِ تَتَوَالَى مِنَ الْغَنِيِّ الْكَرِيمِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَقَدْ أَظَلَّنَا مَوْسِمُ الْحَجِّ الْعَظِيمِ؛ لِنَتَوَجَّهَ إِلَى اللهِ بِالْإِخْلَاصِ وَالتَّعْظِيمِ؛ فَإِنَّ الْحَجَّ عِبَادَةُ الْعُمْرِ، وَفِيهِ أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا " (الْمَائِدَةِ:3)، وَفِيهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ). وَفِيهِ تَرْنُو النَّوَاظِرُ وَتَهْفُو الْأَفْئِدَةُ وَالْخَوَاطِرُ؛ إِلَى بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ؛ لِحَطِّ الْأَوْزَارِ وَالْآثَامِ، حَيْثُ تَسِيرُ الرُّكْبَانُ وَالْوُفُودُ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، بَعْدَ أَنْ قَطَعَتِ الْفَيَافِيَ وَالْقِفَارَ، وَجَازَتِ الْأَجْوَاءَ وَالْبِحَارَ، وَتَجَشَّمَتِ الْمَشَقَّةَ بِطُولِ الْمَسَافَةِ وَبُعْدِ الشُّقَّةِ؛ لِحِكَمٍ تُبْتَغَى وَأَسْرَارٍ تُرْتَجَى؛ لِيُكْمِلُوا أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ، وَيَهْدِمُوا مَعَالِمَ الشِّرْكِ وَالْأَصْنَامِ، فَفِي هَذِهِ الشَّعِيرَةِ الْإِيمَانِيَّةِ وَالْفَرِيضَةِ الرَبَّانِيَّةِ لَا يَقْتَصِرُ الْحَاجُّ عَلَى الْإِتْيَانِ بِشَعَائِرِ الْحَجِّ الظَّاهِرَةِ بَلْ يُرَاعِي حِكَمَهَا وَأَسْرَارَهَا الْبَاطِنَةَ؛ إِذْ سَيْرُ الْقُلُوبِ أَبْلَغُ مِنْ سَيْرِ الْأَبْدَانِ، فَكَمْ مِنْ وَاصِلٍ بِبَدْنِهِ إِلَى الْبَيْتِ وَقَلْبُهُ مُنْقَطِعٌ عَنْ رَبِّ الْبَيْتِ!.

جِسْمِي مَعِي غَيْرَ أَنَّ الرُّوحَ عِنْدَكُمْ      فَالْجِسْمُ فِي غُرْبَةٍ وَالرُّوحُ فِي وَطَنِ

 وَبِالْخُرُوجِ مِنَ الْبِلَادِ وَمُفَارَقَةِ الْأَهْلِ وَالْأَوْطَانِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَى اللهِ فِي زُمْرَةِ الزَّائِرِينَ وَرَكْبِ السَّائِرِينَ: مُجَاهَدَةٌ لِلنَّفْسِ فِي النَّأْيِ عَنْ دِيَارِهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى لَظَى شَوْقِهِ وَنَارِهِ، وَتَعْظِيمٌ لِلْبَلَدِ الْأَمِينِ وَفِيهِ تَشَبُّهٌ بِالسَّفَرِ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَفِي تَجَرُّدِ الْحَاجِّ مِنَ اللِّبَاسِ وَتَخَلِّيهِ عَنِ الزِّينَةِ وَتَمَسُّحِهِ بِالطِّيبِ تَذْكِيرٌ بِحَالِهِ إِذَا مَاتَ وَلُفَّ بِأَثْوَابِ الْكَفَنِ وَطُيِّبَ بِالْحَنُوطِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّوَاضُعِ وَنَبْذِ الْكِبْرِيَاءِ إِذِ الْكُلُّ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ؛ فَكَمَا لَا يَلْقَى بَيْتَ اللهِ إِلَّا مُخَالِفًا عَادَتَهُ فِي اللِّبَاسِ وَالْهَيْئَةِ؛ فَلَا يَلْقَى اللهَ بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَّا فِي زِيٍّ مُخَالِفٍ لِزِيِّ الدُّنْيَا "إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً " (مَرْيَمَ:93-95)، وَحَادِي الْأَرْوَاحِ وَالْقُلُوبِ يَحْدُوهُ:

وَانْظُرْ لِمَنْ مَلَكَ الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا      هَلْ نَالَ مِنْهَا غَيْرَ الْقُطْنِ وَالْكَفَنِ

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

وَأَمَّا أَفْعَالُ الْحَجِّ: فَتَبْدَأُ بِالْإِحْرَامِ عِنْدَ الْمِيقَاتِ - فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ كُلِّهِ، وَيَكُونُ بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ إِمَّا قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا أَوْ مُفْرِدًا مَعَ التَّجَرُّدِ مِنَ الثِّيَابِ الْمَخِيطَةِ:ِ وَهِيَ الْمُفَصَّلَةُ عَلَى حَجْمِ الْجِسْمِ أَوْ عَلَى حَجْمِ عُضْوٍ مِنْهُ، وَلُبْسِ ثَوْبَيِ الْإِحْرَامِ: وَهُمَا رِدَاءٌ يَلِفُّ النِّصْفَ الْأَعْلَى مِنَ الْبَدَنِ دُونَ الرَّأْسِ، وَإِزَارٌ يَلِفُّ النِّصْفَ الْأَسْفَلَ مِنْهُ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَا أَبْيَضَيْنِ؛ فَإِنَّ الْأَبْيَضَ أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، يَلْبَسُهُمَا الْحَاجُّ إِشْعَارًا مِنْهُ بِأَنَّهُ قَدْ تَجَرَّدَ مِنْ كُلِّ الْمَظَاهِرِ الدُّنْيَوِيَّةِ الزَّائِلَةِ، وَخَضَعَ لِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَتَذَكَّرَ كَفَنَهُ فِي الْقَبْرِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: " انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَدِينَةِ بَعْدَمَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ " [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ].

فَإِذَا وَصَلَ الْحَاجُّ إِلَى بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ طَافَ بِهِ سَبْعًا بَدْءًا بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَانْتِهَاءً إِلَيْهِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَنْبَغِي عَلَى الْحُجَّاجِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا أَقْسَامَ الطَّوَافِ وَأَحْكَامَهَا مِنَ الدُّعَاةِ وَالْمُرْشِدِينَ لِيُؤَدُّوا مَنَاسِكَهُمْ عَلَى وَجْهِ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ.

   وَمِنَ السُّنَّةِ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الطَّوَافِ خَلْفَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى" [الْبَقَرَةِ:125]. إِنْ تَيَسَّرَ لَهُ وَإِلاَّ فَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَبَعْدَ الطَّوَافِ يَسْعَى الْحَاجُّ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ اسْتِذْكَارًا لِسَعْيِ هَاجَرَ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ. فَإِنَّهَا لَمَّا اسْتَسْلَمَتْ لِأَمْرِ اللهِ وَانْقَادَتْ لِمَشِيئَتِهِ رَفَعَ اللهُ قَدْرَهَا، وَأَعْلَى شَأْنَهَا، وَأَزَالَ عَنْهَا الْبَأْسَاءَ وَالضَّرَّاءَ، وَمَنَحَهَا وَابْنَهَا الْخَيْرَ وَالرَّخَاءَ، أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ:"جَاءَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهَاجَرَ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فَوَضَعَهُمَا تَحْتَهَا، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَحَدٍ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، وَوَضَعَ عِنْدَهَـا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِـقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمّ قَفَى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيـلَ، قَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ بِهِ أَنِيسٌ وَلَا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، فَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا"، وَلَمْ يُضَيِّعْهُمَا اللهُ، حَيْثُ فَجَّرَ لَهُمَا زَمْزَمَ، وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمَا مِنْ بَرَكَاتِهِ وَأَنْعَمَ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ سَبِيلٍ، فَتَحَقَّقَتْ بِذَلِكَ دَعْوَةُ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ" رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" [إبْرَاهِيمَ:37]، وَمَا زَالتْ زَمْزَمُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ بَرَكَةً مِنْ إِنْعَامِ اللهِ عَلَيْهِمَا، وَأَثَرًا طَيِّبًا مِنْ آثَارِهِمَا. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "شَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَأَنَّهُ قَالَ: (كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ): إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ".

عِبَادَ اللهِ:

   إِنَّ أَعْظَمَ أَرْكَانِ الْحَجِّ: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الْحَجُّ عَرَفَةٌ"[أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ]، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ  النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيْهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو عَزَّ وَجَلَّ ثُمّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟"

 يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي وَصْفِ يَوْمِ عَرَفَةٍ:

فَلِلَّهِ ذَاكَ الْمَوْقِفُ الْأَعْظَمُ الَّذِي           كَمَوْقِفِ يَوْمِ الْعَرْضِ بَلْ ذَاكَ أَعْظَمُ

وَيَدْنُو بِهِ الْجَبَّـارُ جَـــــلَّ جَلَالُــهُ            يُبَـاهِـي بِهِـمْ أَمْلَاكَـهُ فَهُــوَ أَكْـرَمُ

يَقُولُ عِبَادِي قَـدْ أَتَوْنِي مَحَبَّــةً             وَإِنِّـي بِهِـمْ بَــرٌّ أَجُــــودُ وَأُكْــــرِمُ

فَأُشْـهِدُكُمْ أَنِّي غَفَرْتُ ذُنُوبَهُمْ             وَأَعْطَيْتُــهُـــم مَا أَمَّلُــوهُ وَأُنْـعِـــمُ

  إِنَّهُ لَمَوْقِفٌ عَظِيمٌ وَمَشْهَدٌ تَتَجَلَّى فِيهِ مَظَاهِرُ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ تَعَالَى بِأَجْمَلِ صُوَرِهَا وَأَبْلَغِ مَعَانِيهَا، وَتَبْدُو مَعَالِمُ الْوَحْدَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، حَيْثُ تَزْدَحِمُ الْخَلَائِقُ وَتَرْتَفِعُ الْأَصْوَاتُ عَلَى اخْتِلَافِ اللُّغَاتِ: قِبْلَتُهُمْ وَاحِدَةٌ وَكِتَابُهُمْ وَاحِدٌ وَنَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ وَلِبَاسُهُمْ وَاحِدٌ وَمَوْقِفُهُمْ وَاحِدٌ يَدْعُونَ رَبًّا وَاحِدًا، لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا لِغَنِيٍّ عَلَى فَقِيرٍ، الْمَلِكُ وَالْمَمْلُوكُ وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَالْجَلِيلُ وَالْحَقِيرُ سَوَاءٌ، فَيَذُوبُ التَّفَاخُرُ بِالْأَحْسَابِ وَيَضْمَحِلُّ التَّبَاهِي بِالْأَنْسَابِ " إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ" (الْأَنْبِيَاءِ:92).

  بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَـــةُ

 

 

  الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً، وَجَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَمْدًا كَثِيرًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

  أَمَّا بَعْدُ:

  فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُوهُ، وَعَظِّمُوا أَمْرَهُ وَكَبِّرُوهُ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ وَلَا تَعْصُوهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ فِي اجْتِنَابِ الْمُحْرِمِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ مِنْ مَخِيطٍ وَطِيِبٍ وَقَصٍّ وَحَلْقٍ وَجِمَاعٍ وَصَيْدٍ وَجِدَالٍ بِالْبَاطِلِ: اسْتِسْلَامًا لِأَمْرِ اللهِ وَانْقِيَادًا لِشَرْعِهِ، حَيْثُ يَتْرُكُ الْمُحْرِمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: " الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ " (الْبَقَرَةِ:197).

  وَبِرَمْيِ الْجِمَارِ يُقِيمُ الْحَاجُّ الْعُبُودِيَّةَ لِلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ؛ مُنْقَادًا لِلْأَمْرِ مُظْهِراً لِلِافْتِقَارِ، مُمْتَثِلاً مِنْ غَيْرِ حَظٍّ لِلنَّفْسِ وَطَوَاعِيَةٍ لِلْعَقْلِ، قَائِماً وَقَاعِداً يَذْكُرُ ذَا الْمَنِّ وَالْفَضْلِ، فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ" (أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ).

 وَيَعْظُمُ شَرَفُ الْحَاجِّ وَقَدْرُهُ حِينَمَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ تَذَلُّلاً لِبَارِئِهِ وَخُضُوعًا لِخَالِقِهِ، وَتَبْرُزُ مَظَاهِرُ الْإِذْعَانِ بِذَبْحِ الْهَدْيِ وَالْقُرْبَانِ إِذْ هُوَ أَفْضَلُ الْحَجِّ عَلَى مَرِّ الْأَزْمَانِ، فَعَنْ أَبِي بَكَرٍ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَفْضَلُ الْحَـجِّ: الْعَـجُّ وَالثَّـجُّ" [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَةَ]. وَالْعَجُّ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالثَّجُّ: نَحْرُ الْهَدْيِ وَإِرَاقَةُ الدِّمَاءِ.

 وَأَمَّا الْهَدْيُ الَّذِي يُقَدِّمُهُ الْقَارِنُ وَالْمُتَمَتِّعُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ تَقَرُّباً إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَشُكْرًا لَهُ عَلَى أَنْعُمِهِ فَهُوَ يُذَكِّرُنَا بِإِقْدَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِتَنْفِيذِ أَمْرِ رَبِّهِ لَمَّا رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ  يَذْبَحُ وَلَدَهُ، وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ، فَفَدَاهُ اللهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، قَالَ تَعَالَى عَنِ الْهَدْيِ: " وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ " [الْحَجِّ:36-37].

  وَفِي الْحَجِّ أيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكَثِيرُ مِنَ الدُّرُوسِ وَالْعِبَرِ، وَيَكْفِي أَنَّهُ مُلْتَقَى الْمُسْلِمِينَ كُلَّ عَامٍ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فِي الْعَالَمِ يَجْتَمِعُونُ فِيهِ فَيَتَوَحَّدُونَ تَحْتَ رَايَةِ التَّوْحِيدِ، وَيُؤَدُّونَ شَعَائِرَ دِينِهِمْ مَعَ بَعْضِهِمْ، وَيَتَعَرَّفُونَ عَلَى مَشَاكِلِ أُمَّتِهِمْ وَمُخَطَّطَاتِ أَعْدَائِهِمْ، وَيَتَعَاوَنُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى التَّصَدِّي لَهَا، وَعَلَى مُؤَازَرَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَيَنْصُرُونَ دِينَ اللهِ فَيَنْصُرُهُمُ اللهُ. قَالَ تَعَالَى:  " وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ " [الرُّومِ:47]. 

   عِبَادَ اللهِ:

   وَإِذَا قَضَى الْحَاجُّ مَنَاسِكَهُ وَشَهِدَ مَنَافِعَهُ، كَانَ ذِكْرُ اللهِ عَلَى لِسَانِهِ وَفِي قَلْبِهِ أَشَدَّ مِنْ ذِكْرِ آبَائِهِ وَصَحْبِهِ " فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً " (الْبَقَرَةِ:200)، وَيَرْجِعُ إِلَى وَطْنِهِ وَقَدْ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَسُتِرَتْ عُيُوبُهُ، وَكُفِّرَتْ سَيِّئَاتُهُ وَضُوعِفَتْ حَسَنَاتُهُ إِنْ كَانَ مِمَّنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ. وَمَنْ بَدَّلَ مِنْ بَعْدِ السُّوءِ حُسْنًا، وَبَعْدَ الْمَعْصِيَةِ طَاعَةً وَبَعْدَ الْفَسَادِ صَلَاحًا؛ كَانَ ذَلِكَ أَمَارَةً عَلَى قَبُولِ حَجَّتِهِ وَعَلَامَةً عَلَى صِدْقِ نِيَّتِهِ وَدَلِيلاً عَلَى نَيْلِ بُغْيَتِهِ " إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ " (الْمَائِدَةِ:27).

    هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا - رَحِمَكُم اللهُ - عَلَى خَيْرِ الْوَرَى وَإِمَامِ الْهُدَى كَمَا أَمَرَ رَبُّكُمْ جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً" (الْأَحْزَابِ:56(. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ:" مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً " [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ].

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ رَحْمَةً تَهْدِي بِهَا قُلُوبَنَا وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرَنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِحَجَّةٍ إِلَى بَيْتِكَ الْحَرَامِ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَاجْمَعْ عَلَى الْحَقِّ شَمْلَهُمْ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

  اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ وَدَمِّرِ اللَّهُمَّ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ يَا قَوِيُّ يَا مَتِينُ. اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الْفِتَنَ وَالْمِحَنَ، وَأَنْزِلِ السَّكِينَةَ وَالرَّحْمَةَ عَلَى قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ وَحِّدْ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ، وَادْفَعِ الشَّرَّ عَنْهُمْ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ. اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ تَوْبَتَنَا، وَاغْسِلْ حَوْبَتَنَا، وَأَجِبْ دَعْوَتَنَا، وَسَدِّدْ أَلْسِنَتَنَا، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ. اللَّهُمَّ كُنْ لَنَا مُؤَيِّدًا، وَلاَ تَجْعَلْ لِفَاجِرٍ عَلَيْنَا يَدًا، وَقَنِّعْنَا مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ، وَهَوِّنْ عَلَيْنَا كُلَّ أَمْرٍ عَسِيرٍ، وَاجْعَل لَّنَا مِنْ كُلِّ ضِيقٍ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ مَخْرَجًا، اللَّهُمَّ اجْمَعْ كَلِمَةَ الْـمُسْلِمِينَ وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ.  

 اللَّهُمَّ أَصْلِحْ وُلاَةَ أُمُورِنَا وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَ الْحُجَّاجِ وَالْمُعْتَمِرِينَ، وَارْضَ عَنَّا وَعَنْهُمْ وَعَنْ سَائِرِ المُسْلِمِينَ، وَرُدَّهُمْ إِلَيْنَا سَالِمِينَ غَانِمِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً؛ وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً؛ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.