呼图白 > 详细内容


作者:一卅柯·韩文成

忍耐主的定然

伊历1438年11月19 / 公历2017年8月11日阿汉双语主麻演讲

感赞安拉乎——注定宇宙万物、使然一切事物的主,赞美奖赏忍耐者、疗愈遭难者的主超绝无比!他是万能一切的主。我作证惟有安拉乎是应受崇拜的主,独一无二的主,造化生死以验证人类最好行为的主,他是至强至恕的主;我作证先知穆罕默德是主的仆人和使者,是人类的报喜者和警告者,是人生的指路明灯,他受赏而感恩、遭难而忍耐,愿主永赐无量福安于他和圣裔及为博取主的喜悦而忍受艰难困苦的圣伴们!

各位信士:

你们要敬畏主,与坚忍者为伍,同自我作斗争,并培养耐心和信心,以获得正教的领导素质,至尊主说:“我以他们的人为表率,在他们忍耐并确信我的启示时,奉我之命引导世人。”(32:24)

各位教胞:

至尊主造化众生并注定万事,使今世成为人生考场和苦难渡桥,用祸、福、利、害考验人类,以提炼信主的人和废弃不信的人。凡是只图快乐不要烦恼、只想一帆风顺而不出任何意外的人,其实并不明白遭遇艰难困苦的奥秘,也不懂得造物主的造化规律。实际上,至高无上并主宰一切的主,就是使人贫穷、富裕、生病、痊愈、生活、死亡、欢笑、哭泣的主。

任何人都不可能一帆风顺无病无灾,世间的任何被造物都免不了遭遇各种灾难和痛苦。假如今生就是最终结局和永恒不朽之世,那么历代先知和贤良之士最该获得一世平安,然而造物主让他们遭受各种磨难是因为今世太渺小,也非因为他们地位卑贱,相反他们在主跟前的地位相当高贵。一个坚强的信士在面对生活的各种磨难时,会坚忍顺受不幸的苦涩,因为他知道主使他遭难后会化难为易,使他遇阻后会赐给他善果。

安拉乎的仆民啊!

忍耐的意思是约束自己顺从主而不违抗主,并坦然面对前定而不怨天尤人。人最好的天赋秉性是耐心,耐心之于教门犹如身体之首。大贤阿里(主喜悦之)说:“耐心之于教门犹如身体之首,身体若无头颅必毁无疑。你们记住:没耐心者无信仰。”

忍耐者所得之回赐,只有主知道其分量和奥秘,这足以说明忍耐者之贵,至尊主说:“只有坚忍者才能全获无量的报酬。”(39:10)

至尊主将忍耐和礼拜相提并论,以与坚忍者同在关照忍耐者,这意味着保护和引导他们:“信士们啊!你们要靠坚忍和礼拜求主佑助,安拉乎确实与坚忍者同在。”(2:153)

忍耐者在今世所得之荣誉和在后世所获之善果,足以证明忍耐之可贵:“那些人为博取主的喜悦而坚忍,他们谨守拜功,私下或公开与人分享我所赐的恩典,并以德报怨,这种人必得后世的善果——极乐园,他们与其祖先、配偶及后裔中的贤良者都将进入其中。天使们从每一道门进贺他们:‘祝你们平安!这是因你们坚忍所得。’后世的善果无与伦比!”(13:22-24)

各位教胞:

忍耐也是一道光明,在忍受主前定的令人痛苦的定然方面,先知们是人类的光辉榜样,然后依次是优秀高贵之人。圣伴赛尔德·本·宛嘎斯(主喜悦之)传述:“我问先知:‘主的使者啊!哪种人经受的磨难最大?’先知说:‘是先知们,然后依次最优秀的人。人是根据其信仰经受考验的。’”(《艾哈迈德圣训录》1498、《提尔米济圣训录》2403)

先知努哈(主福安之)在召唤人们归向主的宣教事业上忍耐了950年,而归信者寥寥无几。

先知伊卜拉罕(主福安之)被投入烈火中,都没能使他对内心的信仰产生丝毫动摇,以至出现了至尊主提到的奇迹:“我说:‘火啊!对伊卜拉罕要凉爽和安全!’他们想谋害他,但我使他们成为最亏损的人。”(21:69-70)

当他的儿子先知伊斯玛仪利(主福安之)长到能随他一起干活的年龄时,他梦见自己向主杀子献祭,于是他服从主的命令让儿子倒下准备牺牲。至尊主看到了他的赤胆忠心,便用一个伟大的牺牲进行了救赎。

先知宰凯里雅(主福安之)忍受多年无子的痛苦,一直到了骨骼脆弱、白发苍苍、妻子不能生育的年龄,最后至尊主赐给了他一个纯洁的孩子。

先知安优布(主福安之)遭受了巨大的灾难,失去了子女、财产和健康,一直忍受了十八年的病痛折磨,最后向主祈求赦免,主便答应了解除他的苦难,至尊主说:“还有安优布,当时他向主祈求道:‘我确实遭难了,您是最最仁慈的主。’于是我答应了他,解除了他受的苦难,并给他赏赐了家人和同先前一样的人丁,以示我的慈悯和对崇拜者的纪念。”(21:83-84)

我们的先知穆罕默德(主福安之)蒙受了来自族人的种种非难和迫害,处处遇敌、时时逢难,遭受了失去多个儿女的打击,承受了伯父和爱妻离世无助的痛苦,面对这一切,他都以忍耐和顺从默默接受。

历代的信士和诚信者们,沿着先知和使者们的足迹前赴后继,他们在被人伤害时逆来顺受,在遭受磨难时咬牙忍耐,图的就是能得主的回赐。古今中外历代虔诚信士的情况大都如此:遇难时忍耐、逢喜时感恩。先知(主福安之)说:“信士之事真奇妙!凡事对他而言都是福。遭祸忍耐是福,遇幸感恩是福,唯有信士才能享此福分。”(苏海卜·本·斯纳尼·卢米传述《穆斯林圣训录》2999)

贤二代大学者欧勒瓦·本·祖拜尔(主慈悯之)的一条腿得了坏疽病,医生们建议将腿锯掉,以免向全身扩散。手术肯定疼痛难忍,人们端来麻药让他喝,可是他拒绝使他失去知觉的东西,他说:“让我礼两拜吧,在我安心拜主的时候你们就锯吧!”于是人们在他全神贯注礼拜的时候将他的腿锯掉了。而就在同一天,他最疼爱的一个儿子不幸身亡,人们都来安慰他,他却说道:“主啊!感赞您!我有七个孩子,您拿走了一个,给我留了六个;我有四肢,您拿走了一肢,给我留了三肢。您在拿走的同时已经给了赏赐,在让我遭难的同时已经给了我健康。”

先知(主福安之)说:“当有人失去爱子时,安拉乎问天使们:‘你们取走了我仆人的孩子的命?’众天使回答:‘是的。’问:‘你们拿走了他的心尖儿?’答:‘是的。’问:‘我的仆人说什么?’答:‘他感赞您,并说他属于您,终将回归于您。’安拉乎说:‘你们为我的仆人在天堂里修一座宫殿,名曰「感赞宫」。’” (艾卜穆萨·艾什艾里传述《提尔米济圣训录》1022)

愿主使我和你们都能成为忍耐的人,赐予我们大家美好的托靠和坚定的信念。

祈望主饶恕我和你们以及所有的穆斯林,大家向主忏悔吧!至尊主是最好的宽恕者。

 

 

第二部分

 

 

感赞安拉乎——绝无任何匹敌、对手、合作者的主,我衷心赞美感恩永受赞美颂扬的主;我作证惟有安拉乎是应受崇拜的主,独一无二的主,以各种恩典进行考验、用各种灾难施与恩惠的主;我作证先知穆罕默德是主的仆人和使者,是德才兼备、举世无双的完人,愿主永赐福安于他和圣裔及廉洁敬主的圣伴们!

安拉乎的仆民啊!

你们要敬畏主,紧握信仰的坚柄,向往主那里的一切,唯有主跟前的一切是最好和最永久的。愿主慈悯大家!须知:忍受艰难困苦和灾祸,既可以使人赎罪,也可以提升品级,它是通往主喜悦的阶梯。先知(主福安之)说:“男女信士始终接受着对其生命、子女和财产的考验,直到去见主时一身被赎得无罪。”(艾布胡莱赖传述《提尔米济圣训录》2404)

以下几种方法,有助于信士遭难时忍耐和求主回赐:

1)想象所得之巨大回赐,其实比灾难更可怕的是为此得不到主的回赐,真正的不幸者是遭难后没有得到回赐的人。

至尊主说:“我必用一些恐惧和饥饿,以及损失财产、生命和收获来考验你们,你向坚忍者们报喜。他们在遭遇灾祸时说:‘我们都归安拉乎所有,我们必将回归于他。’这些人已得到主的祝福和慈悯,这些人是走正道者。”(2:155-157)

2)明白遭难是主喜欢的征兆,或许他所犯的错误只有经受磨难才能赎罪,也许他被提升品级而只有经历患难才能达标。先知(主福安之)说:“有多大的磨难就有多大的回赐,至尊主一旦喜欢一个民众就会考验他们,欣然接受主的考验者将会获得主的喜悦,对考验表示愤怒的人只会得到主的恼怒。”(艾奈斯传述《提尔米济圣训录》2401、《伊本玛杰圣训录》4031)

3)事先培养忍耐的习惯,遇到灾难时就能够忍受,明白万事皆有定数,前定之事不可抗拒,至尊主说:“大地上发生的任何灾难,和你们自身遭遇的任何不幸,在我使其发生之前就已记录在册,这对于安拉乎微不足道。以免你们为所失去的而悲伤、为所得到的而狂喜,安拉乎不喜欢任何傲慢自负的人。”(57:22-23)

4)记住世间的一切烦恼都有化解之道,任何困境都有出路,困难之后就是容易,一“难”不可能战胜两“易”,山重水复疑无路,柳暗花明又一村。在阿拉伯语中,“忍耐”一词含有“苦涩”之意,诗人说得好:

忍耐之苦名副其实         忍耐之果甘如饴蜜

5)遭难时向主求助,并托靠主、深信主,圣训曰:“廉洁着,主赋予其德行;忍耐者,主赋予其耐心;知足者,主赋予其富足。你们天赋所得之最好的秉性,莫过于耐心。”(艾卜塞矣德·胡德瑞传述《布哈里圣训录》6470、《穆斯林圣训录》1053)

愿主慈悯大家!现在让我们遵照主的命令,祝福人类的楷模和正道领袖——先知穆罕默德,至尊主说:“安拉乎和他的天使们在祝福先知,信士们啊!你们应当为他祈福,应当向他祝安。”(33:56)

先知(主福安之)也说:“谁祝福我一次,安拉乎必祝福他十次。”(《穆斯林圣训录》408)

主啊!求您永赐福安于您的仆人先知穆罕默德和圣裔、全体圣伴、贤二代及其从善如流的后继者们!主啊!求您使我们成为认主独一、见证您的独一和先知的使命,并从一而终的人。主啊!求您赐予我们幸福者的生活和烈士的品级,求您使我们能够忍受磨难、感谢恩典、战胜敌人。

主啊!求您改善我们的护身信仰,改善我们的今世生活,改善我们的后世归宿;主啊!求您赐给我们廉洁和虔诚,赐给我们正道和富足;求您使我们成为感谢恩典的人、忍受艰难的人、无论顺境和逆境都赞颂您的人;主啊!求您让我们热爱您、喜欢热爱您的人、喜欢使我们进一步热爱您的行为;主啊!求您壮大伊斯兰和穆斯林,羞辱举伴行为和举伴主的人们,求您援助您的正教、天经、圣行和信民们。主啊!求您饶恕所有的男女信士和穆斯林,宽恕他们中的活人和亡人,您是至听至近、有求必应的主。

主啊!求您改善我们的领导者们,使他们从事您喜欢的事业,迫使他们敬主从善,求您使我们的家园和所有穆斯林国家国泰民安;我们的主啊!求您赐予我们今世幸福和后世幸福,使我们免遭火狱之灾。

最后仍然赞美万世之主安拉乎!   

الصَّبْرُ عَلَى أَقْدَارِ اللَّهِ

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ بِتَارِيخِ 19 مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ 1438هـ الْمُوَافِقِ 11 / 8 / 2017م

 

 الْحَمْدُ لِلَّهِ مُقَدِّرِ الْمَقْدُورِ، وَمُصَرِّفِ الْأُمُورِ، سُبْحَانَهُ يَجْزِي الصَّابِرَ وَيُعَافِي الْمُبْتَلَى، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ؛ خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ؛ الْبَشِيرُ النَّذِيرُ، وَالسِّرَاجُ الْمُنِيرُ، أُعْطِيَ فَشَكَرَ، وَابْتُلِيَ فَصَبَرَ، فَصَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ رَبِّهِمُ الْوَدُودِ الشَّكُورِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ.

 أَمَّا بَعْدُ:

 فَاتَّقُوا اللهَ - أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ - وَكُونُوا مَعَ الصَّابِرِينَ، وَجَاهِدُوا أَنْفُسَكُمْ وَوَطِّنُوهَا عَلَى الرِّضَا وَالْيَقِينِ، فَبِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ تُنَالُ الْإِمَامَةُ فِي الدِّينِ؛ قَالَ الْمَوْلَى جَلَّ جَلاَلُهُ: " وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ" )السَّجْدَةِ: 24(.

 إِخْوَةَ الْإِيـمَانِ وَالْإِسْلاَمِ:

 لَقَدْ بَرَأَ اللهُ الْخَلاَئِقَ، وَقَدَّرَ الْمَقَادِيرَ، وَجَعَلَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا دَارَ اخْتِبَارٍ وَابْتِلاَءٍ، وَقَنْطَرَةَ كَبَدٍ وَعَنَاءٍ، يَبْتَلِي الْعِبَادَ فِيهَا بِالْـخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالنَّفْعِ وَالضُّرِّ؛ لِيُمَحِّصَ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ. وَمَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا صَفْوًا مِنَ الْأَكْدَارِ، أَوْ رَامَ الْحَيَاةَ تَدُومُ لَهُ بِالْعَافِيَةِ وَالسَّلَامَةِ بِلاَ مُنَغِّصَاتٍ وَلاَ ابْتِلاَءَاتٍ؛ لَمْ يَفْهَمْ حِكْمَةَ التَّكْلِيفِ فِي شَأْنِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ سُنَّةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي خَلْقِهِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُفْقِرُ وَيُغْنِي، وَيُسْقِمُ وَيَشْفِي، وَيُميِتُ وَيُـحْيِي، وَيُضْحِكُ ويُبْكِي. فَلاَ مَطْمَعَ لِأَحَدٍ فِي السَّلَامَةِ مِنَ الشَّدَائِدِ وَالْآلاَمِ، وَلاَ مَنَاصَ لِمَخْلُوقٍ مِنَ الْمَصَائِبِ وَالْأَسْقَامِ. وَلَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا دَارَ جَزَاءٍ وَكَرَامَةٍ؛ لَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ فِيهَا أَوْلَى بِالسَّلاَمَةِ، وَإِنَّمَا ابْتَلَاهُمُ الْمَوْلَى جَلَّ جَلاَلُهُ لِهَوَانِ الدُّنْيَا لاَ لِهَوَانِهِمْ عَلَيْهِ، بَلْ لِمَنْزِلَتِهِمُ الرَّفِيعَةِ لَدَيْهِ. وَالْـمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ يُوَاجِهُ شَدَائِدَ الْحَيَاةِ، وَيَصْبِرُ عَلَى مُرِّ الْبَلاَءِ؛ إِذْ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لاَ يَبْتَلِيهِ إِلاَّ لِيُعَافِيَهُ، وَلاَ يَمْنَعُهُ إِلاَّ لِيُعْطِيَهُ.

وَالصَّبْرُ - عِبَادَ اللهِ - يَعْنِي حَبْسَ النَّفْسِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَحَبْسَهَا عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَحَبْسَهَا عَنِ التَّسَخُّطِ مِنْ أَقْدَارِ اللهِ. وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ مِنَ الدِّينِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ. قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: " أَلاَ إِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ؛ فَإِذَا انْقَطَعَ الرَأْسُ بَانَ الْجَسَدُ، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ فَقَالَ: أَلاَ لَا إِيمَانَ لِمَنْ لاَ صَبْرَ لَهُ ". وَيَكْفِي أَهْلَ الصَّبْرِ فَضْلاً أَنَّ ثَوَابَهُمْ عَلَى صَبْرِهِمْ لاَ يُقَدِّرُ قَدْرَهُ وَلاَ يَعْلَمُ سِرَّهُ إِلاَّ اللهُ، إِذْ يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: " إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ " (الزُّمَرِ:10(، وَقَدْ قَرَنَهُ اللهُ بِالصَّلاَةِ وَتَفَضَّلَ بِمَعِيَّتِهِ للِصَّابِرِينَ مَعِيَّةً تَتَضَمَّنُ حِفْظَهُمْ وَتَسْدِيدَهُمْ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ " (الْبَقَرَةِ:153(. وَحَسْبُ الصَّبْرِ فَضْلاً وَالصَّابِرِينَ شَرَفًا أَنَّ لَهُمُ التَّمْكِينَ فِي الدُّنْيَا وَعُقْبَى الدَّارِ فِي الْآخِرَةِ قَالَ رَبُّنَا جَلَّ جَلاَلُهُ: " وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ " (الرَّعْدِ:22-24(.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ:

 إِنَّ الصَّبْرَ ضِيَاءٌ، وَإِنَّ قُدْوَةَ الْخَلْقِ فِي الصَّبْرِ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ الْمُؤْلِمَةِ هُمُ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ؛ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَـدُّ بَلاَءً؟ قَالَ: " الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ" [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ]، فَقَدْ صَبَرَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً، وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ، وَأُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فِي النَّارِ وَلَمْ يَثْنِهِ ذَلِكَ شَيْئًا عَمَّا آمَنَ بِهِ قَلْبُهُ وَاطْمَأَنَّ بِهِ فُؤَادُهُ، ثُمَّ كَانَ مَا ذَكَرَ رَبُّ الْعَالَمِينَ: " قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ " (الْأَنْبِيَاءِ:69-70(، وَلَمَّا بَلَغَ إِسْمَاعِيلُ مَعَهُ السَّعْيَ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يَذْبَحُهُ فَاسْتَجَابَ لِأَمْرِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَضْجَعَ وَلِيدَهُ لِلذَّبْحِ، فَلَمَّا رَأَى اللهُ مِنْهُ الصِّدْقَ وَالْإِخْلاَصَ وَالتَّسْلِيمَ؛ فَدَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَلَقَدْ صَبَرَ عَلَى حِرْمَانِ الْوَلَدِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلاَمُ، حَتَّى وَهَنَ الْعَظْمُ مِنْهُ وَاشْتَعَلَ رَأْسُهُ شَيْبًا وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ عَاقِراً، ثُمَّ وَهَبَ اللهُ لَهُ غُلاَماً زَكِيًّا، وَكَمْ قَاسَى نَبِيُّ اللهِ أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، حَيْثُ فَقَدَ الْوَلَدَ وَالْمَالَ وَالْعَافِيَةَ، فَظَلَّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَاماً عَلَى الْبَلاَءِ صَابِراً، حَتَّى دَعَا اللهَ فَأَبَرَّهُ وَكَشَفَ ضُرَّهُ، قَالَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: " وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَـفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ " (الْأَنْبِيَاءِ:83-84(.

وَهَذَا نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاسَى مِنْ قَوْمِهِ أَلْوَانًا مِنَ الْأَذَى، وَأَصْنَافًا مِنَ الْعَذَابِ، وَعُودِيَ وَحُورِبَ، وَابْتُلِيَ بِمَوْتِ أَبْنَائِهِ وَأَكْثَرِ بَنَاتِهِ، وَبَعْضِ أَعْمَامِهِ وَزَوْجَاتِهِ، فَقَابَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالصَّبْرِ وَالتَّسْلِيمِ، وَعَلَى خُطَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ: سَارَتْ مَطَايَا الْمُؤْمِنِينَ، وَرِكَابُ أَهْلِ الْيَقِينِ، أُوذُوا فَاحْتَمَلُوا، وَابْتُلُوا فَصَبَرُوا؛ رَغْبَةً بِمَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الثَّوَابِ. وَهَذَا حَالُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ فِي كُلِّ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ؛ يَصْبِرُونَ عَلَى الضَّرَّاءِ، وَيَشْكُرُونَ عَلَى السَّرَّاءِ. عَنْ صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ الرُّومِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ" [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَقَدْ أَصَابَتِ الْآكِلَةُ رِجْلَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ رَحِمَهُ اللهُ فَأَرْشَدَهُ الْأَطِبَّاءُ إِلَى قَطْعِهَا؛ لِئَلاَّ تَنْتَشِرَ فِي سَائِرِ جَسَدِهِ، وَلَمَّا كَانَ أَلَمُ الْقَطْعِ شَدِيدًا عَرَضُوا عَلَيْهِ أَنْ يَشْرَبَ شَيْئاً يُغَيِّبُ عَقْلَهُ، فَأَبَى وَقَالَ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُ فِي صَلاَتِي فَأَنْتُمْ وَشَأْنَكُمْ، فَفَعَلُوا. وَشَاءَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَمُوتَ أَحَبُّ أَوْلاَدِهِ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ ذَاتِهِ، وَدَخَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ يُعَزُّونَهُ فِي رِجْلِهِ وَوَلَدِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، كَانُوا سَبْعَةً فَأَخَذْتَ وَاحِدًا وَأَبْقَيْتَ لِي سِتَّةً، وَكَانَ لِي أَرْبَعَةُ أَطْرَافٍ فَأَخَذْتَ وَاحِدًا وَأَبْقَيْتَ لِي ثَلاَثَةً، فَإِنْ كُنْتَ أَخَذْتَ فَلَقَدْ أَعْطَيْتَ، وَلَئِنْ كُنْتَ ابْتَلَيْتَ فَقَدْ عَافَيْتَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ. فَيَقُولُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ" [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ].

جَعَلَنِيَ اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ عِبَادِهِ الصَّابِرِينَ، وَرَزَقَنَا جَمِيعاً حُسْنَ التَّوَكُّلِ وَبَرْدَ الْيَقِينِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إنَّهُ سُبْحَانَهُ خَيْرُ الْغَافِرِينَ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَـــةُ

 

 الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُنَـزَّهِ عَنِ الْأَنْدَادِ وَالْأَضْدَادِ وَالشُّرَكَاءِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ وَهُوَ أَهْلُ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ؛ يَبْتَلِي بِالنِّعَمِ وَيُنْعِمُ بِالْبَلاَءِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، مَا أَقَلَّتْ مِثْلَهُ الْغَبْرَاءُ، وَلاَ أَظَلَّتْ أَكْرَمَ مِنْهُ الْـخَضْرَاءُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْبَرَرَةِ الْأَتْقِيَاءِ.

 أَمَّا بَعْدُ:

 فَاتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ - وَتَمَسَّكُوا بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَارْغَبُوا فِيمَا عِنْدَ اللهِ؛ فَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، ثُمَّ اعْلَمُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الشَّدَائِدِ وَالْمِحَنِ كَفَّارَةٌ لِلذُّنُوبِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَرَفْعٌ  لِلْمَنَازِلِ وَالدَّرَجَاتِ، وَسُلَّمٌ لِلْوُصُولِ إِلَى مَرْضَاةِ اللهِ جَـلَّ فِي عُلاَهُ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا يَزَالُ الْبَلاَءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ تَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ " [رَوَاهُ التِّرْمِـذِيُّ]، وَإِنَّ مِمَّا يُعِينُ الْمُؤْمِنَ عَلَى الصَّبْرِ وَالِاحْتِسَابِ: أَنْ يَتَذَكَّرَ عَظِيمَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَأَنَّ الَّذِي أَعْظَمُ مِنَ الْمُصِيبَةِ فَوَاتُ الثَّوَابِ عَلَيْهَا، وَالْمُصَابُ - حَقًّا - مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ " (الْبَقَرَةِ:155-157(، وَأَنْ يَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ الِابْتِلاَءَ أَمَارَةٌ عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ لِعَبْدِهِ، فَرُبَّمَا اكْتَسَبَ ذَنْباً لاَ يُغْفَرُ إِلاَّ بِالِابْتِلاَءِ، أَوْ يُرِيدُ اللهُ لَهُ دَرَجَةً لاَ يَبْلُغُهَا إِلاَّ بِالصَّبْرِ عَلَى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ. عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَءِ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْماً ابْتَلاَهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ " [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ].

عِبَادَ اللهِ:

 وَمَنِ ابْتَغَى الصَّبْرَ عَلَى الْمَصَائِبِ فَلْيُوَطِّنْ نَفْسَهُ عَلَيْهَا قَبْلَ وُقُوعِهَا، وَلْيَعْلَمْ أَنَّ أَقْلاَمَ الْقَدَرِ قَدْ رُفِعَتْ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: " مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (الْحَدِيدِ:22-23(. وَمِنْ أَفْضَلِ مَا يُعِينُ عَلَى الصَّبْرِ أَنْ يَتَذَكَّرَ الْعَبْدُ أَنَّ لِكُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَلِكُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَأَنَّهُ مَا مِنْ عُسْرٍ إِلاَّ سَيَعْقُبُهُ يُسْرٌ، وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، وَكُلَّمَا ضَاقَتِ انْفَرَجَتْ، وَلَقَدْ صَدَقَ مَنْ قَالَ:

الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ            لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ

وَيُعِينُ الْمُبْتَلَى عَلَى الصَّبْرِ الِاسْتِعَانَةُ بِاللهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَفِي الْحَدِيثِ: " مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ" [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ].

    هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا - رَحِمَكُم اللهُ - عَلَى خَيْرِ الْوَرَى وَإِمَامِ الْهُدَى كَمَا أَمَرَ رَبُّكُمْ جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً" (الْأَحْزَابِ:56(. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ:" مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً " [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ].

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُوَحِّدِينَ الَّذِينَ شَهِدُوا لَكَ بِالوَحْدَانِيَّةِ وَلِنَبِيِّكَ بِالرِّسَالَةِ وَمَاتُوا عَلَى ذَلِكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عَيْشَ السُّعَدَاءِ، وَمَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَالصَّبْرَ عَلَى الْبَلاَءِ، وَالشُّكْرَ عَلَى النَّعْمَاءِ، وَالنَّصْرَ عَلَى الأَعْدَاءِ.

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْعَفَافَ وَالتُّقَى، وَالْهُدَى وَالْغِنَى، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الشَّاكِرِينَ عِنْدَ النَّعْمَاءِ، الصَّابِرِينَ عِنْدَ الضَّرَّاءِ، الذَّاكِرِينَ لَكَ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنَا إِلَى حُبِّكَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، اللَّهُمَّ انْصُرْ دِينَكَ وَكِتَابَكَ وَسُنَّةَ نَبِيِّكَ وَعِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ.

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ وُلاَةَ أُمُورِنَا وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً؛ وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً؛ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.