呼图白 > 详细内容


作者:一卅柯·韩文成

崇拜主的奥秘

伊历1438年11月5 / 公历2017年7月28日阿汉双语主麻演讲

感赞安拉乎,我们赞美主并祈求主的佑助和宽恕,求主保佑我们免遭自身私欲和恶行的伤害;受主指引者无人能迷误之,遭主弃绝者无人能引导之;我作证绝无应受崇拜的主,唯有安拉乎,独一无二的主;我作证先知穆罕默德是主的仆人和使者,愿主永赐赐福安于他和圣裔及全体圣伴们!

安拉乎的仆民啊!

我先劝告自己和你们要敬畏并顺从至高无上的主,人类唯有如此才能今世成功、后世获救。至尊主说:“信士们啊!你们要虔诚地敬畏安拉乎,只应顺主而死。”(3:102)

各位穆斯林:

造物主创造人类是为了一个伟大而神圣的目的,即顺从和崇拜主。这在《古兰经》中说得非常明白:“我创造精灵和人类,就为了让他们崇拜我。我不向他们要任何给养,也不要他们供奉我。安拉乎是供给万物的主,是至强至坚的主。”(51:56-58)

主将此项任务作为考验和选拔人类的命题,同时也将经受考验的艰辛定为人生必经的永恒主题:“人们以为只要说‘我已皈信’,就可放任其不受考验了吗?我已考验过他们的前人。安拉乎必知诚实的人,也必知撒谎的人。”(29:2-3)

既然崇拜主是造化人类的主要目的,也是人类生存的首要任务,那么崇拜主的具体内容是什么?是指履行主命功修及副功和各项礼仪呢?还是指更广泛的领域?崇拜主的意义和奥秘何在?

崇拜主,就是怀着畏惧、希望和热爱之心,顺从和敬奉至尊无比的主,崇拜主的最大要素是热爱主。

《古兰经》中强调信士必须热爱主,其他人或物不得分享对主的这种爱:“你说:‘如果你们的父母、子女、兄弟、配偶、家族,以及你们所赚的钱财、害怕萧条的生意和称心如意的住宅,比安拉乎及其使者以及为主道奋斗更为你们所爱,那么你们就等着安拉乎下达命令吧!’”(9:24)

这段经文明确要求信士除了热爱主之外,还要热爱主的使者和他所带来的一切,这也证实了先知(主福安之)所说:“你们任何人只有爱我胜过自己的父母、儿女和所有的人,才算真信士。”(艾奈斯·本马立克传述《布哈里圣训录》15、《穆斯林圣训录》70)

安拉乎的仆民啊!

崇拜一词,指安拉乎喜欢的一切明与暗的言行,包括按时礼拜、缴纳天课、莱麦丹斋戒、朝觐天房、诚实守信、孝顺父母、接续骨肉、履行诺言、命人行善、止人作恶、与昧徒和伪信者作斗争、帮助邻居、体恤孤儿、救助贫困、款待游子、善待属下、怜悯动物、向主祈祷、赞主不绝、诵读《古兰经》,等等 ……

从这个意义上讲,崇拜主的内容涵盖了生活的方方面面,它将所有的一切:从吃喝拉撒睡的礼仪到国家建设、治国方略、金融政策、公共事务、处罚规定、国际关系准则等,全都有机地联系在了一起。因此,我们注意到《古兰经》针对生活的各个领域颁布了不同的法令,如:

信士们啊!杀人抵命已成为你们的定制。”(2:178)

如果你们有人临终留下遗产,就必须合理地为父母和近亲立遗嘱。”(2:180)

信士们啊!斋戒已成为你们的定制,犹如曾为你们前人的定制一样,以便你们敬畏。”(2:183)

战争已成为你们的定制,而战争是你们所厌恶的。也许你们所厌恶的事情对你们有好处。”(2:216)

上述经文所涉及的有关刑罚、遗嘱、斋戒、战争的规定,全都是至尊主制定的法律,人类只有彻底服从主的命令,才能达到崇拜主的目的。

各位教胞:

人类是物质和精神的复合体,有着不同的思想和爱好。构造如此特殊的被造物,只有其创造者才熟悉其状况,知道如何修理和照顾其需求:“至妙至晓的造物主岂有不知之事?”(67:14)

至尊主规定人类必须履行的主命义务和崇拜功修,实际上对人类的今后两世都大有裨益。这些功修使人与主密切联系,把人从物质的奴役中解放出来,将其理想提升到最高境界,并一再提醒人不要局限于地面,也不要被物质生活所迷惑。即便除了这些功修的实际作用之外,我们还没有完全掌握其全部奥秘所在,但它已经给我们带来了足够多的益处。我们确信这些功修尚有许多未被发现的秘密和哲理,有待于我们每个人尽力运用主所赐的知识和领悟力去进一步揭示。

让我们探索两个最主要的、也是伊斯兰两大要素的宗教功修 —— 礼拜和天课的奥秘。

先说礼拜,礼拜是教门的支柱,是伊斯兰第二大要素,我们在观察和思考这项功修的奥秘时发现:礼拜要求清洁卫生和着装美观,要求礼拜者的衣服、身体和礼拜地点必须干净,不容有任何污秽肮脏的东西,将大净和小净作为礼拜的必要条件。真所谓礼拜是天堂的钥匙,净身是礼拜的钥匙。至尊主命令我们:“信士们啊!当你们起身去礼拜时,先要洗脸、洗手至肘、抹头、洗脚至踝,如果破了大净则洗全身。”(5:6)

礼拜也是一种精神力量,它有助于信士面对生活和教门中的各种困难,为此至尊主说:“信士们啊!你们要以忍耐和礼拜求助于安拉乎,安拉乎与坚忍者同在。”(2:153)

对此伊本·甘义目(主慈悯之)解释说:“面对生活和教门中遇到的各种困难,人可以借助的最大手段是:忍耐和礼拜。”

礼拜更是一种道德力量,它能培养信士的强大耐力,能够远离丑事和作恶,并在遇到灾祸时不焦不躁,获得好处时不吝啬小气。礼拜确实能在信士的心中根植敬畏主和遵纪守法的意识,使人养成守时和惜时的习惯,能够克服懒惰、任性等其它人性弱点。对此至尊主说:“人类生性浮躁,遭受灾祸时焦躁不安,获得好处时吝啬小气。只有礼拜者除外,他们经常礼拜 …… ”(70:19-23)

还说:“你要礼拜,礼拜确实能抑制丑事和犯罪。”(29:45)

礼拜还是一种体育锻炼,它要求礼拜者遵守秩序,人们在集体礼拜时肩并肩、脚挨脚地紧密排班和整齐排列的情景是多么壮观啊!伊玛目入拜前要求跟众排列整齐,就像先知(主福安之)在礼拜时经常提醒的那样:“你们要排列整齐,因为排列整齐是礼拜完美的表现。”(艾奈斯传述《布哈里圣训录》723、《穆斯林圣训录》433)

还说:“设伊玛目就是要人们跟随他,所以你们要和伊玛目保持一致。当他鞠躬时你们跟着鞠躬;他念:‘安拉乎已听到赞颂者的赞词!’时,你们念:‘主啊!一切赞颂只属于您。’;他叩头时,你们也跟着叩头;他跪着念赞词时,你们也都跪着念赞词。你们在礼拜时要排列整齐,因为排列整齐是礼拜完美的表现。”(艾卜胡莱赖传述《布哈里圣训录》722、《穆斯林圣训录》414)

安拉乎的仆民啊!

再来说天课,天课蕴含很多奥秘,它能消除富人可憎的吝啬之心,吝啬是危险的心理疾病,会导致杀人越货、出卖灵魂、丧失尊严、泯灭良心的恶果,一个被吝啬吞噬的个人或社会是绝不可能取得成功的:“凡被戒除内心贪欲的人,必是成功者。”(59:9)

天课能消除穷人的仇富和嫉妒心理:“他聚敛财富,精心盘算,满以为财富能使他永久。”(104:2-3)

天课能消除整个社会贫富之间发生冲突、纷争、暴乱、革命的因素,也许这就是天经所指之意:“你要从他们的财产中征收施舍,以借此净化和熏陶他们。”(9:103)

天课还可以增长财富和增加福分:“你们的任何费用,主将给予补偿,主是最好的供给者。”(34:39)

施散天课会给富人带来乐趣,令其感到心情舒畅和心胸开阔;同时也会给穷人增加信心,使其感到未因贫弱而被社会抛弃。

愿主以伟大的《古兰经》赐福我和你们,使我们大家受益于天经的启示和教诲。

我讲这些,祈望主饶恕我和你们以及所有的穆斯林,大家向主忏悔吧!主是至恕至慈的。

 

 

第二部分

 

 

感赞万世之主安拉乎,善果属于敬主之人,不义者将自食恶果。我作证唯有安拉乎是应受崇拜的主,独一无二、真实昭然的主;我作证先知穆罕默德是主的仆人和使者,是敬畏者的楷模和千使万圣之集大成者,愿主永赐福安于他和圣裔、全体圣伴及其从善如流的后继者们!

安拉乎的仆民啊!

我劝告自己和你们要敬畏并顺从主,提醒你们千万不要违抗主。

各位穆斯林:

我们谈论崇拜主的奥秘,并不等于已经揭示了其中的所有奥秘,更不意味着履行宗教功修必先以探究其奥秘为条件。因为崇拜主的根本目的就是无条件地服从主的命令,履行人对主应尽的义务,感谢主无可否认的恩典,而不一定非要以我们有限的智力理解了其中的奥秘后才去执行。其实宗教功修本身就是对人的一种考验,事实上造物主无求于人类的崇拜,而是我们需要崇拜造物主,信士只要坚守这一信念就足够了:

感恩的人,只是在为自身感恩;昧恩的人,须知安拉乎是永无所求、永受赞美之主。”(31:12)

凡能旅行的人,都有义务为安拉乎朝觐天房。悖逆不信的人,安拉乎无求于世。”(3:97)

造物主绝对无求于被造物,如果主命令人以某种形式崇拜主,那也是为人的个人和社会利益着想,只会给人类今生后世的精神和物质生活带来益处,而人类有限的智力却无法完全窥探主的无限奥秘。

造物主奥秘无穷          人类理解太有限

愿主慈悯大家!现在让我们遵照主的命令,祝福人类的楷模和正道领袖——先知穆罕默德,至尊主说:“安拉乎和他的天使们在祝福先知,信士们啊!你们应当为他祈福,应当向他祝安。”(33:56)

先知(主福安之)也说:“谁祝福我一次,安拉乎必祝福他十次。”(《穆斯林圣训录》408)

主啊!求您赐福安于您的仆人使者先知穆罕默德和圣洁的圣裔及全体圣伴们;主啊!求您喜悦秉持真理、公正执法的四大正统哈里发和正道领袖们。

主啊!求您使我们成为认主独一、见证您的独一和先知的使命,并从一而终的人。主啊!求您使我们敬畏您并向您忏悔,求您指引我们正道并使我们坚守您的正教;至强至恕的主啊!求您不要使今世成为我们的最大烦恼和知识极限,求您使我们和善人们一起凭借您的慈悯能够进入天堂。

主啊!求您改善我们的护身信仰,改善我们的今世生活,改善我们的后世归宿;主啊!求您赐给我们廉洁和虔诚,赐给我们正道和富足;求您使我们成为感谢恩典的人、忍受艰难的人、无论顺境和逆境都赞颂您的人;主啊!求您让我们热爱您、喜欢热爱您的人、喜欢使我们进一步热爱您的行为;主啊!求您壮大伊斯兰和穆斯林,羞辱举伴行为和举伴主的人们,求您援助您的正教、天经、圣行和信民们。主啊!求您饶恕所有的男女信士和穆斯林,宽恕他们中的活人和亡人,您是至听至近、有求必应的主。

主啊!求您饶恕所有的男女信士和穆斯林,宽恕他们中的活人和亡人,您是至听至近、有求必应的主。主啊!求您改善我们的领导者们,使他们从事您喜欢的事业,迫使他们敬主从善,求您使我们的家园和所有穆斯林国家国泰民安;我们的主啊!求您赐予我们今世幸福和后世幸福,使我们免遭火狱之灾。

最后仍然赞美万世之主安拉乎!   

أَسْرَارُ الْعِبَادَةِ فِي الْإِسْلاَمِ

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ بِتَارِيخِ 5 مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ 1438هـ الْمُوَافِقِ 28 / 7 / 2017م

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

  أَمَّا بَعْدُ:

فَأُوصِيكُمْ – عِبَادَ اللهِ - وَنَفْسِي أَوَّلاً بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى وَطَاعَتِهِ، فَهِيَ سَبِيلُ النَّجَاحِ وَالْفَوْزِ وَالنَّجَاةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ تَعَالَى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" [آلِ عِمْرَانَ:102].

  أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

     لَقَدْ خَلَقَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْإِنْسَانَ لِمُهِمَّةٍ عَظِيمَةٍ وَهَدَفٍ نَبِيلٍ، وَهِيَ طَاعَتُهُ وَعِبَادَتُهُ سُبْحَانَهُ، وَذَلِكَ مَا أَوْضَحَهُ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ: " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ "(الذَّارِيَاتِ: 56- 58). وَقَدْ جَعَلَ هَذِهِ الْمُهِمَّةَ مَيْدَانَ ابْتِلَاءٍ وَاخْتِبَارٍ وَجَعَلَ ذَلِكَ الِابْتِلَاءَ قَدْراً لَازِمًا وَأَمْرًا دَائِمًا، فَقَالَ تَعَالَى: " أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ" (الْعَنْكَبُوتِ:2-3).

وَإِذَا كَانَتِ الْعِبَادَةُ هِيَ الْغَرْضَ الْأَوَّلَ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، وَهِيَ مُهِمَّتُهُ الْكُبْرَى فِي الْوُجُودِ، فَمَا الْمَقْصُودُ بِالْعِبَادَةِ هُنَا؟ هَلْ هُوَ هَذِهِ الْفَرَائِضُ وَالنَّوَافِلُ وَالشَّعَائِرُ فَحَسْبُ؟ أَوْ أَنَّ لَهَا امْتِدَاداً أَوْسَعَ وَمَجَالًا أَرْحَبَ؟ مَاهِيَ مَقَاصِدُهَا الْكُبْرَى؟ مَا هِيَ حُكْمُهَا وَأَسْرَارُهَا؟

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

إِنَّ الْعِبَادَةَ هِيَ الطَّاعَةُ وَالْعُبُودِيَّةُ لِلَّهِ تَعَالَى خَوْفاً وَرَجَاءً وَمَحَبَّةً، وَالْمَحَبَّةُ أَكْبَرُ أَرْكَانِ الْعِبَادَةِ.

 وَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ هَذِهِ الْمَحَبَّةِ وَفِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُطَاوِلَهَا غَيْرُهَا، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: " قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ" (التَّوْبَةِ:24).

 وَالْآيَةُ وَاضِحَةٌ فِي أَنَّ هَذِهِ الْمَحَبَّةَ مَشْرُوطَةٌ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضاً، وَلِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ مِصْدَاقُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ].

عِبَادَ اللهِ:

إِنَّ الْعِبَادَةَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَالْعِبَادَةُ تَشْمَلُ الصَّلاَةَ، وَالزَّكَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْحَجَّ، وَصِدْقَ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءَ الْأَمَانَةِ، وَبِرَّ الْوَالِدَيْنِ، وَصِلَةَ الْأَرْحَامِ، وَالْوَفَاءَ بِالْعُهُودِ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْجِهَادَ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَالإِحْسَانَ لِلْجَارِ، وَالْيَتِيمِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالْمَمْلُوكِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ، وَالدُّعَاءَ وَالذِّكْرَ، وَالْقِرَاءَةَ وَأَمْثَالَ ذَلِكَ .....

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:

  وَمِنْ هُنَا نُدْرِكُ أَنَّ عِبَادَةَ اللهِ تَعَالَى تَسَعُ الْحَيَاةَ كُلَّهَا وَتَنْتَظِمُ أُمُورَهَا قَاطِبَةً: مِنْ أَدَبِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ، إِلَى بِنَاءِ الدَّوْلَةِ وَسِيَاسَةِ الْحُكْمِ، وَسِيَاسَةِ الْمَالِ، وَشُؤُونِ الْمُعَامَلاَتِ، وَالْعُقُوبَاتِ، وَأُصُولِ الْعَلاَقَاتِ الدَّوْلِيَّةِ، وَلِهَذَا نُلاَحِظُ أَنَّ الْقُرْآنَ يَأْمُرُ بِتَكَالِيفَ وَأَحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ فِي مَجَالاَتٍ شَتَّى، وَمَيَادِينَ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ مَيَادِينِ الْحَيَاةِ، قَالَ تَعَالَى: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى" [الْبَقَرَةِ:178] وَقَالَ تَعَالَى: "كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ" [الْبَقَرَةِ:180] وَقَالَ تَعَالَى: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [الْبَقَرَةِ:183] وَقَالَ تَعَالَى: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ" [الْبَقَرَةِ:216].

فَهَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا مِنَ الْقِصَاصِ وَالْوَصِيَّةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْقِتَالِ مَكْتُوبَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ، أَيْ مَفْرُوضَةٌ عَلَيْهِمْ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ بِالْتِزَامِهَا وَالِانْقِيَادِ لَهَا.

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللهِ:

إِنَّ الْإِنْسَانَ مَخْلُوقٌ مُتَنَوِّعُ الْأَبْعَادِ، مُعَقَّدُ التَّكْوِينِ، مُتَوَزِّعُ الرَّغَبَاتِ، هُوَ فِي شِقٍّ مِنْهُ كُتْلَةٌ مِنْ طِينِ الْأَرْضِ وَفِي شِقٍّ آخَرَ نَفْخَةٌ مِنْ رُوحِ اللهِ، وَهَذِهِ الْبِنْيَةُ الْخَاصَّةُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُصْلِحَهَا وَيُرَاعِيَ احْتِيَاجَاتِهَا وَيَسْبُرَ أَغْوَارَهَا إِلاَّ مَنْ خَلَقَهَا؛ قَالَ تَعَالَى: "أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" [الْمُلْكِ:14]، وَقَدْ شَاءَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَفْرِضَ عَلَى هَذَا الْإِنْسَانِ فَرَائِضَ وَيَتَعَبَّدَهُ بِعِبَادَاتٍ، هِيَ فِي مَصْلَحَةِ الْإِنْسَانِ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ، تَصِلُهُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتُحَرِّرُهُ مِنْ أَسْرِ الْمَادَّةِ، تَرْفَعُ هِمَّتَهُ إِلَى أَعْلَى، وَتَظَلُّ تَعِظُهُ أَنْ لاَ يَرْكَنَ إِلَى الْأَرْضِ، أَوْ يَغْتَرَّ بِالْحَيَاةِ، وَلَوْ لَمْ نُلاَحِظْ مِنْ أَسْرَارِ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ إِلاَّ تَأْثِيرَهَا الْوَاقِعِيَّ هَذَا لَكَفَى، وَلَكِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهَا مَلِيئَةٌ بِالْأَسْرَارِ وَالْحِكَمِ الْبَالِغَاتِ، الَّتِي يَكْتَشِفُ كُلٌّ مِنَّا مَا يَسْتَطِيعُ مِنْهَا بِحَسَبِ مَا آتَاهُ اللهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

فَلْنَتَأَمَّلْ فِي أَسْرَارِ عِبَادَتَيْنِ تُعَدَّانِ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ، بَلْ هُمَا مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ: الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ.

وَنَبْدَأُ بِالصَّلاَةِ الَّتِي هِيَ عِمَادُ الدِّينِ، وَهِيَ الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلاَمِ، نَنْظُرُ فِي بَعْضِ أَسْرَارِهَا وَمَقَاصِدِهَا فَنَجِدُ أَنَّ الصَّلاَةَ نَظَافَةٌ وَتَطَهُّرٌ، وَتَزَيُّنٌ وَتَجَمُّلٌ، اشْتَرَطَ اللهُ لَهَا طَهَارَةَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ، مِنْ كُلِّ خَبِيثٍ مُسْتَقْذَرٍ، وَأَوْجَبَ التَّطَهُّرَ بِالْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ، فَمِفْتَاحُ الْجَنَّةِ الصَّلاَةُ، وَمِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الطَّهُورُ، قَالَ تَعَالَى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ" [الْمَائِدَةِ:6].

وَالصَّلاَةُ قُوَّةٌ رُوحِيَّةٌ وَنَفْسِيَّةٌ تُعِينُ الْمُؤْمِنَ عَلَى مُوَاجَهَةِ مَتَاعِبِ الْحَيَاةِ وَمَصَائِبِ الدُّنْيَا، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" [الْبَقَرَةِ:153]، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ إِنَّ أَعْظَمَ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ الْعَبْدُ عَلَى نَوَائِبِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ: الصَّبْرُ وَالصَّلاَةُ.

كَمَا أَنَّ الصَّلاَةَ قُوَّةٌ خُلُقِيَّةٌ، تَمُدُّ الْمُؤْمِنَ بِطَاقَةٍ عَظِيمَةٍ، يَقْتَدِرُ بِهَا عَلَى مُجَانَبَةِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَمُقَاوَمَةِ الْجَزَعِ عِنْدَ الشَّرِّ، وَالْمَنْعِ عِنْدَ الْخَيْرِ، فَهِيَ تَغْرِسُ فِي الْقَلْبِ مُرَاقَبَةَ اللهِ تَعَالَى وَرِعَايَةَ حُدُودِهِ، وَالْحِرْصَ عَلَى الْمَوَاقِيتِ، وَالدِّقَّةَ فِي الْمَوَاعِيدِ، وَالتَّغَلُّبَ عَلَى نَوَازِعِ الْكَسَلِ وَالْهَوَى، وَجَوَانِبِ الضَّعْفِ الْإِنْسَانِيِّ، وَفِي هَذَا يَقُولُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ: "إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ" [الْمَعَارِجِ:19-23]، وَيَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ" [الْعَنْكَبُوتِ:45].

كَمَا أَنَّ الصَّلاَةَ تَرْبِيَةٌ بَدَنِيَّةٌ، لِمَا فِيهَا مِنَ الطَّاعَةِ وَالنِّظَامِ، وَهَلْ هُنَاكَ أَجْمَلُ أَوْ أَكْمَلُ مِنْ صُفُوفِ الْجَمَاعَةِ وَقَدْ وَقَفَتْ مُسْتَقِيمَةً فَلاَ عِوَجَ، مُتَلاَصِقَةً فَلاَ فُرَجَ: الْمَنْكِبُ إِلَى الْمَنْكِبِ، وَالْقَدَمُ إِلَى الْقَدَمِ، يُعَلِّمُهُمْ إِمَامُهُمْ أَنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاَةِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ؛ فَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ؛ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلاَةِ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلاَ تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ؛ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوساً أَجْمَعِينَ؛ أَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلاَةِ؛ فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلاَةِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ].

عِبَادَ اللهِ:

ثُمَّ نَأْتِي إِلَى الزَّكَاةِ الَّتِي هِيَ حِكَمٌ وَأَسْرَارٌ، فَهِيَ طَهَارَةٌ لِنَفْسِ الْغَنِيِّ مِنَ الشُّحِّ الْبَغِيضِ، وَهُوَ آفَةٌ نَفْسِيَّةٌ خَطِرَةٌ، تَدْفَعُ إِلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ، وَبَيْعِ الْأَعْرَاضِ وَضَيَاعِ الذِّمَمِ، وَلَنْ يُفْلِحَ فَرْدٌ أَوْ مُجْتَمَعٌ سَيْطَرَ الشُّحُّ عَلَيْهِ وَمَلَكَ نَاصِيَتَهُ، "وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (الْحَشْرِ:9)، وَالزَّكَاةُ كَذَلِكَ طَهَارَةٌ لِنَفْسِ الْفَقِيرِ مِنَ الْحَسَدِ وَالضَّغَنِ عَلَى ذَلِكَ الْغَنِيِّ الْكَانِزِ لِمَالِ اللهِ عَنْ عِبَادِ اللهِ، "الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ" (الْهُمَزَةِ:2-3)، وَهِيَ طَهَارَةٌ لِلْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ - أَغْنِيَائِهِ وَفُقَرَائِهِ - مِنْ عَوَامِلِ الْهَدْمِ وَالتَّفْرِقَةِ وَالصِّرَاعِ وَالْفِتَنِ، وَلَعَلَّ هَذَا كُلَّهُ مَا تَهْدِي إِلَيْهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ: "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا" (التَّوْبَةِ:103). ثُمَّ إِنَّ الزَّكَاةَ نَمَاءٌ لِلْمَالِ وَبَرَكَةٌ فِيهِ: "وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ" (سَبَأٍ:39) وَهِيَ أَيْضاً نَمَاءٌ لِشَخْصِيَّةِ الْغَنِيِّ وَكِيَانِهِ بِمَا يُحِسُّ مِنَ انْشِرَاحٍ فِي نَفْسِهِ وَاتِّسَاعٍ فِي صَدْرِهِ، كَمَا أَنَّهَا نَمَاءٌ لِشَخْصِيَّةِ الْفَقِيرِ حَيْثُ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ لَيْسَ ضَائِعًا فِي الْمُجْتَمَعِ وَلَا مَتْرُوكاً لِضَعْفِهِ وَفَقْرِهِ.

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ, وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَـــةُ

 

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ, وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ, وَأَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, الْإِلَهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, إِمَامُ الْمُتَّقِينَ وَخَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ, صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَأُوصِيكُمْ - عِبَادَ اللهِ - وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ وَطَاعَتِهِ، وَأُحَذِّرُكُمْ مِنْ مَعْصِيَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

إِنَّ حَدِيثَنَا عَنْ أَسْرَارِ الْعِبَادَاتِ، وَمَا نُحَاوِلُ أَنْ نَكْتَشِفَ مِنْ تِلْكَ الْأَسْرَارِ لَا يَعْنِي ادِّعَاءَ إِحَاطَةٍ بِهَا، بَلْ لَا يَعْنِي ضَرُورَةَ الْبَحْثِ وَالتَّعَمُّقِ فِي اسْتِخْرَاجِهَا، إِذِ الْأَصْلُ أَنَّ الْعِبَادَاتِ تُؤَدِّى امْتِثَالاً لِأَمْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَدَاءً لِحَقِّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَشُكْراً لِنَعْمَائِهِ الَّتِي لَا تُنْكَرُ، وَلَيْسَ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ تَكُونَ لَهَا حِكْمَةٌ يُدْرِكُهَا عَقْلُهُ الْمَحْدُودُ، فَالْأَصْلُ فِيهَا أَنَّهَا ابْتِلَاءٌ لِعُبُودِيَّةِ الْإِنْسَانِ لِرَبِّهِ، وَحَسِبَ الْمُؤْمِنُ أَنْ يَعْلَمَ بِالْإِجْمَالِ أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، غَنِيٌّ عَنْ عِبَادَتِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ: "وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ" (لُقْمَانَ:12) "وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" (آلِ عِمْرَانَ:97). اللهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ عِبَادِهِ كُلَّ الْغِنَى، وَإِذَا تَعَبَّدَهُمْ بِشَيْءٍ فَإِنَّمَا يَتَعَبَّدُهُمْ بِمَا يُصْلِحُ أَنْفُسَهُمْ وَ يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالْخَيْرِ فِي حَيَاتِهِمُ الرُّوحِيَّةِ وَالْمَادِيَّةِ، الْفَرْدِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ الْمَحْدُودَ قَدْ تَخْفَى عَلَيْهِ حِكْمَةُ اللهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ.

وَكَمْ لِلَّهِ مِنْ سِرٍّ خَفِيٍّ       يَدِقُّ خَفَاهُ عَنْ فَهْمِ الذَّكِيِّ

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا - رَحِمَكُم اللهُ - عَلَى خَيْرِ الْوَرَى وَإِمَامِ الْهُدَى كَمَا أَمَرَ رَبُّكُمْ جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً" (الْأَحْزَابِ:56(. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ:" مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً " [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ].

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ وَصَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ؛ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْمَهْدِيِّينَ الَّذِينَ قَضَوا بِالْحَقِّ وَبِهِ كَانُوا يَعْدِلُونَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُوَحِّدِينَ الَّذِينَ شَهِدُوا لَكَ بِالوَحْدَانِيَّةِ وَلِنَبِيِّكَ بِالرِّسَالَةِ وَمَاتُوا عَلَى ذَلِكَ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْخَشْيَةَ وَالْإِنَابَةَ إِلَيْكَ، وَأَلْهِمْنَا الرُّشْدَ وَالْهِدَايَةَ فِي دِينِكَ، وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَأَدْخِلْنَا بِرَحْمَتِكَ الْجَنَّةَ مَعَ الْأَبْرَارِ، يَا عَزِيزُ يَا غَفَّارُ.

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْعَفَافَ وَالتُّقَى، وَالْهُدَى وَالْغِنَى، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الشَّاكِرِينَ عِنْدَ النَّعْمَاءِ، الصَّابِرِينَ عِنْدَ الضَّرَّاءِ، الذَّاكِرِينَ لَكَ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنَا إِلَى حُبِّكَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، اللَّهُمَّ انْصُرْ دِينَكَ وَكِتَابَكَ وَسُنَّةَ نَبِيِّكَ وَعِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ.

   اللَّهُمَّ أَصْلِحْ وُلاَةَ أُمُورِنَا وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً؛ وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً؛ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.